حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
مقدمة ومدخل 64
شاهنامه ( الشاهنامه )
في زمرة الشعراء المادحين في ذلك اليوم . وبعد أيام جلس الأمير يستمع ترتيل سورة يوسف ، فودّ أن تنظم السورة بلفظ فارسي فصيح نظما يغنى عن التفسير . وبينما الأمير يفكر في هذا إذ أقبل البختيارى فأسرع الأمير إلى دعائه ، واقترح عليه أن ينظم القصة . فقبل الأرض والتزم أن ينظمها . ودأب في علمه مكلفا نفسه كل نصب . يقول الفردوسي : وسمعت القصة كلها وعرفت جودها ورديئها . وكنت أتحدث عنها يوما عند « الأجل ّ تاج الزمان ، فلك الوفاء والرفعة ، الموفق » فاستمع لحديثى ثم نظر الىّ وقال : أريد أن تبادر إلى نظمها مرة أخرى نظما لا يستطيع أن يعيبه شاعر . فإن وفقت في نظمها وواتتك الإجادة في ألفاظها ومعانيها حملتها إلى أمير العراق فتقرأ عنده فتكون وسيلة إلى تعريفه مكانتك في الشعر فيلتفت إليك . فقال له : سأمتثل الأمر وأنظم القصة حتى إذا صادفتْ قبولا من الملك جذب بضبعى ، وسعدت بخدمته . الخ » . فالشاعر يحدّثنا أن نظم القصة اقتُرح عليه ، وأنه لم ينظمها ، كما يقال ، تكفيرا عن نظم الشاهنامه . ولكن الشاعر ، وقد تصدّى لنظم قصة قرآنية في شيخوخته ، بعد أن أمضى عمره في نظم سير الملوك وأساطير الأبطال ثم لم يظفر بما يعزيه عن عمره الفائت وكده خمسا وثلاثين سنة - اتخذ نظمها توبة مما اقترف إذ أضاع عمره في نظم الأساطير . والشاعر يعرب هنا عن أسفه وندمه ، مبينا الفرق بين أساطير الملوك وقصص الأنبياء التي أوحاها اللّه إلى نبيه يقول : « نظمت في كل باب ، وسمع قولي كل إنسان . فان أكن قد وجدت في هذا لذة فما بذرت إلا بذر النصب والآثام . وقد ندمت على ما بذرت ، وختمت على قلبي ولساني . فلن أنطق من بعدُ بأحاديث الكذب ، ولن أبذر الآثام بعد أن اشتعل رأسي شيبا . لقد انقبض قلبي من أفريدون البطل . ماذا يعنيني من أنه استولى على عرش الضحاك ؟ ومللت من ملك كىقباد . وذهب تخت كىكاوس أدراج الرياح . ولست أدرى ما الذي يكون غير العذاب من كىخسرو وحرب أفراسياب ؟ إن العقل ليسخر من الكلف بمثل هذا . أنِّى يرضى العقل منى أن أضيع نصل حياتي لأملأ العالم باسم رستم » ؟ إلى أن يقول : « أضعت العمر وأصبت الغم . فان يحم ّ لي البقاء أياما فلن أسلك إلا سبيل الصدق . لا أقص من بعدُ قصص الملوك ، لقد انقبض صدري من عتبات الملوك . . . إن هذه القصص كذب صراح ، لا يقوّم مائتان منها بذرّة من التراب » . ثم يقول : يجب أن يحدَّث عن الأنبياء الذين لم يتخذوا غير الصدق سبيلا . . . سأقص عليك قصة . ولكنها ليست من كلام القدماء بل من كلام رب الصادقين الخ » . فهذا كان رأى الشاعر حين نظم قصة يوسف وزليخا . وشتان بين هذا وبين إعجابه بنفسه ، واغتباطه بذكره الخالد ، حين كان ينظم الشاهنامه . ولعل الشيخوخة اليائسة ، والأمل الخائب أوحيا إليه هذا .